حديث صباحي قصير

حسناً، ها أنا أمام موظفة البنك. عشرينية، ممتلئة بعض الشيء، جميلة ولديها نظرات قوية، لاحظتها سابقاً، نشيطة وتعطي انطباع تحرص العديدات من الإناث في لبنان على إعطائه، هو صورة الفتاة القوية الواثقة من نفسها والتي لا يهمّها (تقريباً) أي شيء. انتهت المعاملة، كانت سريعة ولطيفة. تمنت لي نهاية أسبوع سعيدة (باللغة الفرنسية طبعاً، بون ويك اند).

لم أتمالك عندها من سؤالها، وزميلها الجالس في مرمى صوتي، هل ستشاركون في مسيرة “إسقاط النظام الطائفي” هذا الأحد؟

هوذا الحوار. وعلى فكرة، كانت “صديقتي” تجيب بسرعة الضوء! وأعتقد أن هذه النقطة بحاجة لتحليل أيضاً.

هي: كلا.

أنا: لماذا؟

هي: ما في شي بيستاهل!

أنا: ولكن هذه ليست قضية مرتبطة بحزب أو زعيم بعينه، ويمكن هذا الأمر من الأشياء القليلة التي “بتستاهل”

هي: لا. بالإضافة إلى ذلك، لا أريد النزول إلى مسيرة أتعرض فيها للتدفيش و أو الكلام غير اللائق.

أنا: هل حصل ذلك معك في مسيرات “إسقاط النظام الطائفي” السابقة.

هي: كلا.

أنا: حسناً، أنت إذاً تحكمين مسبقاً على أمر لا تعرفينه، كما أنك تعممين.

هي: لست مهتمة أبداً. أنا هيك منيحة كتير.

أنا: كيف توظفت في هذا المصرف، هل استعملت واسطة؟

هي: طبعاً،

أنا: بهذه الحالة، ألم تشعري بالمهانة من تسوّل أمر هو من حقك أصلاً الحصول عليه بكفاءتك من دون جميل؟

هي: كلا، أنا هيك منيحة. أنتهي من عملي، أركب سيارتي وأذهب إلى المنزل. بعدين كل البلد هيك.

أنا: أن أعتقد أن إسقاط النظام الطائفي سوف يساعد من هم مثلك على الحصول على حقوقهم من دون وساطة. وعلى فكرة، ماذا سيفعل ابنك أو بنتك غداً لنيل وظيفة؟

هي: واسطة طبعاً. بعدين ما أنا مستفيدة منّو ليش بدّي سقّطوا!؟

أنا: (بيني ونفسي، ما أغباني، طبعاً) همم. ولك هذا ليس أكيد. كما أن دينك للواسطة الطائفية سيزيد وستصبحين مرهونة بالكامل لها أنت وعائلتك.

هي: شوف استاذ، أنا كل أخوتي خارج لبنان. وأنا أسعى للحاق بهم بأقرب فرصة، وهيدا البلد ما منّو أمل. طائفي وسيبقى هكذا.

أنا: حتى آخر الدهر، آمين.

ما جرى هو نموذج نعرفه جميعنا بشكل أو بآخر. وهو يوضح كيف وصلت بنا الحال. إلى درجة أصبح فيه الاستثناء هو القاعدة. واليأس والهروب هو الحل، والفساد والزبائنية هي الشطارة الضرورية “لتسليك الأمور”!

وهو يوضح أيضاً الارتباط العضوي واليومي بين المعاش اليومي وأسس النظام وكيف يحافظ على نفسه. فهو يستمد قوته الأساسية من هذه الارتباطات. وعليه، قد تكون إحدى المداخل لضربه هي بفضح هذه الممارسات وصولاً لمعاقبتها.

من ناحية أخرى، وبالعلاقة مع صديقتي، فإن إحدى التحديات الأساسية الآن هو بتطوير الخطاب القادر على التواصل معها ومن يشبهها، ونقلهم إلى مكان رمادي على الأقل.

فأنا أعتقد أن سلوكها طبيعي ومفهوم. فهي تتصرف بحسب غريزة البقاء. وهي تستعمل إحدى أكثر الطرق فعّالية للبقاء “حيّة” في بلد يتحكّم فيه هكذا نظام.

وعليه، يجب فهمها، والمساهمة في تطمينها والبرهنة لها أن الانتقال، على يرافقه من خوف وقلق هو ما سيحقق “البقاء” لها ولنا جميعاً.

هل من مُبارز!؟

(بالإذن من علاء الأسواني) إلغاء النظام الطائفي هو الحل.

نزار إبراهيم رمّال

18 آذار/ مارس 2011

Advertisements